عماد الدين خليل

65

المستشرقون والسيرة النبوية

إن هذا التجزيء الذي يمارسه ( وات ) أسوة بكثير من المستشرقين مرفوض تاريخيا وعقيديا ؛ فالحركة الإسلامية حركة توحيد مطلق ينفي منذ اللحظة الأولى أي توجه وثني ، وقد أدركت الزعامة القرشية هذا جيدا ، ولذا فإنها كانت مستعدة للتنازل عن أي شيء ، لمنح الرسول صلى اللّه عليه وسلم كل ما يريده إلّا هذه : شهادة ألاإله إلّا اللّه ، وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم في المقابل مستعدا أن يدخل في حوار مع الزعامة الوثنية في كل شيء إلّا في هذه : شهادة ألاإله إلّا اللّه ، وما تعنيه بالضرورة من رفض مطلق للوثنية أو عبادة الأصنام . ولا يدري المرء ، إذا أخذ بوجهة نظر ( وات ) أين يذهب برواية البلاذري التي يشير فيها إلى اشتداد معارضة قريش للدعوة بعد تصاعد الحملات الشديدة التي راح الرسول صلى اللّه عليه وسلم يشنها ضد آلهتهم وأصنامهم « 1 » ، ولا أين يذهب برواية ابن هشام « 2 » والطبري « 3 » التي تذكر أن المشركين أخذوا - يوما - بمجامع رداء الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وقالوا له : أنت الذي تقول كذا وكذا في عيب آلهتنا وديننا ؟ فما كان جوابه إلّا أن قال لهم : « نعم أنا الذي أقول ذلك » ! ! ولا برواية ابن هشام التي تتحدث عن ذلك الاجتماع الذي عقده زعماء قريش وبعثوا إلى الرسول ليكلموه . . وقالوا له : إنا واللّه ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وشتمت الآلهة ، وسفهت الأحلام وفرّقت الجماعة . . فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا . . فأجابهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا . . فإن تقبلوا مني ما

--> ( 1 ) أنساب : 1 / 115 - 116 . ( 2 ) تهذيب ، ص 57 - 60 . ( 3 ) تاريخ : 2 / 332 - 333 .